أحمد بن علي القلقشندي

149

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أعلى اللَّه أمر قلمها على الأقلام ، وأدام بفيض أنامله عليه بسط كلمة الإسلام ، وراع بكتائب كتبه العدا إذا انتبهوا ، فإذا أغفوا « سلَّت عليهم سيوفها الأحلام » . ولا زالت تلك الأقلام العالية في تلك اليد الكريمة إن لم تكن من المنشئات ، فإنها من المنشآت في البحر كالأعلام ، تقبيل مواظب على دعاء يطلع طلوع طرّة الصبح تحت ذلك الظلام ، وولاء إذا اعتبر الخاطر مسعاه وخدمته ، * ( قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ ) * ( 1 ) . وينهي أنه جهّز هذه الخدمة مقصورة على وصف الأشواق الممدودة ، وجوانح الشّجو المعهودة ، وأنفاس التذكَّر الَّتي لولا شرف مذكورها لم تكن عنده من الأنفاس المعدودة ، فيالها مقصورة على شوق ما فيها غير طيور الجوانح خفّاقة الجناح ، سبّاقة الارتياح ، ويا لها أنفاس ذكر أغنت منادمتها عن كيس كأس واقتراح وقت راح ، ويا لها ورقة فازت بمشافهة لثم اليد الشريفة فكرمت وصفا ، ونأت عن فخار الروض عطفا ، واستطابت بشفاه السّطور على تلك البنان رشفا ( طويل ) . وسطَّرتها والجسم أنحل ما يرى فيا ليتني أصبحت في طيّها حرفا واصلة إلى الباب الكريم بسلام وصل عبقه قبل ما وصلت ، واردة على يد فلان وقد حمل من رسائل الصّفاء والودّ مثل ما حملت ، وحصلت على القرب ، ويا أسفى على ما حصل وحصلت . والمملوك يسأل الإصغاء إليها وإليه بفضل النظر والسّمع ، والإنعام على المحبّ المفارق بمشرّفات تجلو عليه أيام جمع ، وتعينه على أوقات وحشة إذا وصفها المشتاقون وأقلامهم ولَّوا وأعينهم تفيض من الدّمع ، لا برح ذكر مولانا عليّا ، وبرّه بملء الآمال مليّا ، ووصفه بالتّقى وسحاب الجود على الحالين وليّا ( سريع ) .

--> ( 1 ) سورة يوسف 12 ، الآية 19 . وفي الطبعة الأميرية : ( يا بشراي ) .